السيد محمد صادق الروحاني
26
زبدة الأصول (ط الخامسة)
أقول : وقبل التعرّض للبحث في الجهتين ، لابدّ من بيان أمرين : الأمر الأوّل : أنّ محلّ البحث في الجهة الأولى أنّه هل يكون لكلّ تكليفٍ متعلّقٍ بعمل المكلّف اقتضاءان : أحدهما الموافقة العمليّة ، وثانيهما الموافقة الالتزاميّة ، ويترتّب على المخالفة عملًا والتزاماً عقابان ، وعلى الموافقة كذلك ثوابان ، وعند التفكيك ثوابٌ وعقابٌ ، أم ليس له إلّااقتضاء واحد ؟ الأمر الثاني : في بيان حقيقة الالتزام ، وهي في غاية الخفاء بياناً ، وواضح مدركاً . والذي يمكن أن يقال : إنّه زائداً على الصورة الحاصلة للشيء عند النفس الذي هو القطع ، فإنّ العمل الخارجي للنفس شيءٌ آخر ، نسبتها إليه نسبة التأثير والإيجاد ، ويكون هو فعلها ، ويعبّر عنه بالعلم الفعلي ، وذلك الشيء عبارة عن الالتزام ، وهو من جهة كونه نحواً من الوجود لا يمكن بيان حقيقته ، إلّاأنّه ممّا يساعده الوجدان ، ويشهد به قوله تعالى : « وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ » « 1 » ، فهي دالّة على أنّهم مع كونهم عالمين بنبوّة نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم ، لم يكونوا منقادين له قلباً ، ولا مقرّين بها باطناً . أقول : إذا عرفت الأمرين فيقع الكلام في الجهتين : أمّا الجهة الأولى : فيمكن أنْ يستدلّ لعدم وجوب الموافقة الالتزاميّة ، بأنّ التكليف إذا تعلّق بفعلٍ خارجي ، غاية ما يُستكشف منه وجود مصلحةٍ لازمة الاستيفاء في الفعل ، ويُعلم منه أنّ الغرض من التكليف جعل ما يمكن أن يكون داعياً إلى العمل الخارجي ، لأجل تحصيل تلك المصلحة الملزمة ، فالعقل الحاكم
--> ( 1 ) سورة النمل : الآية 14 .